عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
46
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
إنّ بَغْدَادَ لِلْمُلُوك مَحَلٌّ * ومُناخٌ لِلْقارِئ الصّيّادِ بلغ الفساد والفسق في بغداد ذروته ، حيث لم تقدر السلطة العباسية أن تقلّل من حدّته فأُرغم الشعب على تأليف فرقة المتطوعة للحدّ من الفساد والبغي . يقول أحمد أمين : « إنّ فسّاق الحربية والشطّار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا النّاس إيذاءً شديداً وأظهروا الفسق ، وقطع الطريق ، وأخذ الغلمان والنّساء من الطرق ، لا سلطان يمنعهم ولايُقدَر على ذلك منهم ، لأنّ السّلطان كان يعتزّ بهم ، وكانوا بطانته فلايقدر أن يمنعهم من فسق يركبونه . فلمّا رأى النّاس ذلك وما قد أظهروا من الفساد في الأرض والظلم والبغي وقطع الطريق وأنّ السلطان لا يغير عليهم ، قام صلحاء كلّ ربَض وكلّ درب فمشى بعضهم إلى بعضٍ » « 1 » فألّفوا فرقاً متطوّعة لتدارك ما يجب أن تقوم به السلطة . نخلص من ذلك كلّه إلى أنّ السلطة العباسية على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية قد انحرفت عن المثل العليا السامية التي تحلَّت بها الأمة الاسلامية في أدوارها الأولى من تاريخها ، إذ انغمست في المادية وتسابق كبار المسؤولين في الوصول على الدنيا وما فيها . بهذا نأمل أن نكون قد صوّرنا مدى الانحراف الذي صار إليه المجتمع الاسلامي بتأثير الحضارات الأجنبية والبواعث السياسية والاقتصادية المختلفة ، ولم يكن غرضنا من هذا العرض إلّا أن نقول إنّ المجتمع الاسلامي يجب أن يرتكز على أسس الدين القويم والتّقوى والمساواة والعمل بكتاب الله وسنّة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى يصل إلى أهدافه المطلوبة السامية .
--> ( 1 ) - أمين ، أحمد . ضحى الإسلام ، ج - 1 ص 149 .